محمد عبد الكريم عتوم

68

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

المختلفة ، وكان الخطاب القرآني الموجه للناس كافة ، وللمؤمنين خاصة يشكل الأساس الذي يقوم عليه مفهوم الأمة . ويؤكد معظم مفكري أهل السنة السياسيين المعاصرين ، على أهمية دور الأمة في الحياة السياسية ، فهي عند معظمهم مصدر سلطة الحاكم ، وصاحبة الحق في تعيينه ، ومراقبته ، ومساءلته ، وعزله ، فلا يجوز لحاكم بعد الرسول ( ص ) أن يدعي أنه مفوض من الله بولاية الأمر ، بل إن الأمة هي صاحبة الحل والعقد ، فهي التي فوضته أمر الحكم ، وإدارة شؤونها ، والمحافظة على مصالحها . واختلف هؤلاء المفكرون حول كون الأمة مصدر السلطة التشريعية ، ويجمع فقهاء أهل السنة والجماعة على عصمة الأمة الإسلامية إن هي أجمعت على أمر . وفي مجال التأصيل لمفهوم الأمة الإسلامي ، لا بد من الإشارة لوثيقة دستور المدينة التي نصت على اعتبار الإسلام أساسا للمواطنة في الدولة الإسلامية الجديدة التي قامت في المدينة المنورة ، وأحلّت هذه الوثيقة الرابطة الدينية محل الرابطة القبلية ، فعبّرت عن المسلمين بأنهم " أمة من دون الناس " . ويجعل هذا النص من المسلمين أمة ، يجمع أفرادها الإيمان بالدين الذي جاء به محمد ( ص ) دون النظر لأصولهم القبلية . وقد كانت أول ظاهرة يعرفها المجتمع العربي لأول مرة في تاريخه ، حيث لم يجتمع الناس قبل الإسلام إلا على أساس قبلي « 1 » . ولم تحصر هذه الوثيقة " المواطنة " للدولة الإسلامية الأولى بالمسلمين وحدهم ، بل نصت على اعتبار اليهود المقيمين في المدينة من مواطني الدولة ، وحددت ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات . " فيهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، إلا من ظلم وأثم " « 2 » . وينطبق ذلك أيضاً على بقية قبائل اليهود ، بل إن بعض النصوص تشير إلى واجبات على المشركين من أهل المدينة ، مما يشير إلى أنهم دخلوا في حكم الدولة الجديدة ، أو خضعوا لأسس تنظيمها التي وردت في وثيقتها . وتنقض نصوص ومضامين دستور المدينة ، ما يزعمه بعض المستشرقين بأن مفهوم " المواطنة " غريب تماما على الإسلام ، وأن سبب غياب كلمة " مواطن " في اللغة العربية ، واللغات السامية

--> ( 1 ) - الشعيبي ، وثيقة المدينة ، 2006 ، ص 41 . ( 2 ) - الفقرة 25 من الوثيقة .